تسعون شمعة في حياة جمال البنا
كتبهاماجد صلاح الدين صلاح ، في 6 أغسطس 2011 الساعة: 12:27 م
تسعون شمعة في حياة جمال البنا
(المقال الذي رفضت جريدة المصري اليوم نشره)
بقلم: ماجد صلاح الدين
تسعون ربيعا عاشها المفكر الكبير الأستاذ جمال البنا منذ أن ولد يوم الأربعاء الخامس عشر من ديسمبر لسنة 1920م الموافق للثالث من ربيع الثاني لعام 1339هـ حتى يومنا هذا.
ولد أحمد جمال الدين بن أحمد الساعاتي بن عبد الرحمن بن محمد البنا شقيق حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان بالمحمودية من قرى محافظة – مديرية في ذلك الوقت – الغربية في التاريخ المذكور سنة 1920م، ولكنه تم تسجيله بعد ذلك بأربعة أيام.. ينتمي الأستاذ جمال البنا لأسرة ريفية تحترف الزراعة، إلا أن والده المحدث أحمد البنا قد تفرغ لمهنة أخرى وهي إصلاح الساعات بجانب تحقيقه لكتب الحديث.
كان ترتيب الأستاذ جمال البنا السابع بين الإخوة الثمانية؛ حيث أعقب والده قبله: حسن خريج دار العلوم ومؤسس جماعة الإخوان وعبد الرحمن مؤسس المسرح الإسلامي وفاطمة ومحمد وعبد الباسط وزينب، وبعده فوزية، وأطلق عليه والده اسم جمال الدين تيمنا بالمناضل الكبير السيد جمال الدين الأفغاني.
أتم جمال البنا دراسته الابتدائية سنة 1933م ثم التحق بمدرسة الخديوية الثانوية في الحلمية الجديدة التي ما لبث أن تركها حينما رفض أن يعتذر إلى أستاذه الإنجليزي بتعبير رآه يمس بكرامته.. التحق بعد ذلك بمدرسة التجارة المتوسطة بالجيزة والتي أتم الدراسة فيها سنة 1938م.
لم يحصل جمال البنا على شهادات الماجستير ولا الدكتوراه ولا حتى الليسانس أو البكالوريوس ورفض إكمال تعليمه بالجامعة؛ فهو من خلال أحاديثي معه يبغض الأكاديمية وينتقد رجالها، شأنه في ذلك شأن المرحوم الأستاذ عباس محمود العقاد.. أذكر أول لقاء دار بيني وبين الأستاذ جمال وكان سنة 1998م.. أعجبت بشدة في هذا اللقاء بالكثير من آرائه وبخاصة رأيه في المناهج الأكاديمية وطرق البحث والتأليف الأكاديمي؛ مما دفع بي لتأليف كتابي "تهافت الأكاديمية وبحوث أخرى في التنوير الإسلامي" والذي تفضل علي الأستاذ جمال بنشره في "دار الفكر الإسلامي" التي يمتلكها سنة 1999م.
توثقت صلتي بالأستاذ جمال البنا، فلم أكف عن زياراتي له منذ أن تعرفت عليه سنة 1998م وحتى الآن.. أناقشه فلا ينفعل ولا يغضب ولا يسب أحدا، رغم هجوم الكثيرين عليه بالسب دون المناقشة وبالشتم دون الحوار.. تناقشت معه في بعض الأمور التي أختلف معه فيها كالتدخين في نهار رمضان وغيرها من القضايا التي أثارها الأستاذ وشغلت الرأي العام في السنوات القليلة الماضية، فلم يجهلني الأستاذ ولم ينفجر في وجهي بالصراخ، بل كان يناقش ويسوق حججه وأدلته، ولم يتكبر علي قط رغم امتهانه للتأليف قبلي بثلاث وخمسين سنة؛ إذ إنه قد نشر أول كتاب له بعنوان "ثلاث عقبات في الطريق إلى المجد" سنة 1945م، ونشرت أنا أول كتاب لي بعنوان "مفهوم السيرة في أصول الفقه الإسلامي: رؤية جديدة تعالج الإشكاليات الكبرى في علم أصول الفقه" سنة 1998م في "دار الفكر الإسلامي" التي يمتلكها الأستاذ جمال البنا، ثم توالت مؤلفاتي التي نشرها الأستاذ جمال في دار النشر التي يمتلكها: ديوان الإمام محمد عبده سنة 1999م، وتهافت الأكاديمية في نفس السنة، وبيان القرآن: رؤية في المنهج اللفظي سنة 2002م.
اختار الأستاذ جمال البنا طريقه منذ البداية.. لم ينضم إلى جماعة الإخوان التي أسسها شقيقه وأستاذه في المدرسة الابتدائية كذلك الشيخ حسن البنا رغم صغر سنه في ذلك الوقت.. رغم هذه السن الصغيرة كان جمال البنا مستقلا في رأيه وفي فكره.. كذلك لم يضع وقته في الدراسات الأكاديمية التي أتفق معه في عقمها؛ فقد ثقف الأستاذ نفسه بنفسه فقرأ في طفولته وفي شبابه مجلة اللطائف المصورة والمقتطف والرسالة والكاتب المصري، وقرأ من الموسوعات الأدبية والتاريخية كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني والحيوان للجاحظ والعقد الفريد لابن عبد ربه وتاريخ بغداد لابن الخطيب ووفيات الأعيان لابن خلكان.. كما قرأ آلاف الكتب الإنجليزية التي كان يمتلكها جيش الاحتلال البريطاني وتخلص منها إلى سور الأزبكية فانتقلت بدورها إلى أرفف مكتبته الخاصة، ولم تزل موجودة في مكتبته حتى يومنا هذا.
استطاع جمال البنا أن يؤسس حزب العمل الوطني الاجتماعي سنة 1946م، أي قبل حركة الضباط الأحرار بست سنوات، ولكنه اصطدم مع السلطة، وبناء على نصيحة شقيقه حسن البنا تحول الحزب إلى جماعة يقع مقرها في غرفة فسيحة في بيت قديم يحمل رقم 9 ميدان الخازندار.
تم اعتقاله في ديسمبر 1946م ضمن أعضاد مكتب إرشاد جماعة الإخوان رغم أنه لم يكن منهم، وفي المعتقل الذي أمضى فيه عاما تنقل ما بين الهايكستب والطور وعيون موسى، وفي هذه المعتقلات أتقن اللغة الإنجليزية إتقانا بالغا وكاد أن يحفظ ديوان المتنبي.
أمضى جمال البنا سنتي 1950م و 1951م عضوا بمجلس إدارة النقابة العامة للغزل والنسيج بالقاهرة وضواحيها، وحصل سنة 1953م على امتياز باسم مجلة الفكر والتي أصدر منها عددين فقط ثم آثر التوقف.
وفي سنة 1962م افتتحت المؤسسة الثقافية العمالية وألقى جمال البنا فيها محاضراته التي استمرت حتى سنة 1993م حيث آثر التفرغ للتأليف والكتابة وإلقاء الندوات وإجراء اللقاءات التليفزيونية، مما حدا به إلى تأسيس دار الفكر الإسلامي بشارع الجيش بالقاهرة لنشر مؤلفاته وسائر المؤلفات التي تدعو إلى فكر التنوير والإحياء.
تجاوزت مؤلفات الاستاذ جمال البنا ومترجماته المائة والسبعين كتابا، والتي تتوالى كسيل المطر بلا انقطاع منذ سنة 1945م حتى يومنا هذا، ورغم احتفالنا في هذه الأيام بعيد ميلاد الاستاذ جمال البنا التسعين، إلا أنه رغم هذا العمر المديد لم يكف عن العطاء الثقافي والإبداع الفكري متمثلا في مؤلفاته التي يصدرها بغزارة ومقالاته التي لا تنقطع من الصحف، وأحاديثه التليفزيونية العديدة.
ألا يدعونا هذا التاريخ الذي لا يكفيه للتسجيل مقال في صحيفة بل يحتاج إلى مجلدات لوضع الرجل بين قادة النهضة وأعلام الفكر في العصر الحديث؟ ألا يدعونا هذا التاريخ لأن نضع اسم جمال البنا بجانب أسماء لامعة في دنيا التنوير كرفاعة رافع الطهطاوي وجمال الدين الافغاني ومحمد عبده وقاسم أمين وعباس محمود العقاد وطه حسين وغيرهم من رجال حفروا أسماءهم في سجل التاريخ؟
إنها تحية مباركة إلى علم من أعلام نهضتنا في العصر الحديث بمناسبة بلوغه التسعين من عمره المبارك.. حفظ الله أستاذنا الكريم.
ماجد صلاح الدين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج






















