الجبتانا: نص مصري قديم يعيد بناء تاريخ ما قبل الأسرات
كتبهاماجد صلاح الدين صلاح ، في 6 أغسطس 2011 الساعة: 12:36 م
الجبتانا: نص مصري قديم يعيد بناء تاريخ ما قبل الأسرات
(نشر بجريدة القاهرة يوم الثلاثاء 25 يناير 2011م - العدد 557)
ماجد صلاح الدين
يجتمع المهتمون بالتاريخ المصري القديم على معرفة كتاب الكاهن والمؤرخ القديم مانيتون السمنودي صاحب الفضل في أول تسجيل كامل لتاريخ الأسرات المصرية القديمة بدءا بالملك مينا موحد القطرين وانتهاء بالقرن الثالث قبل الميلاد حيث كان مانيتون يسطر موسوعته التي جمعت شتات عدة آلاف من السنوات من تاريخ مصر القديم، لكن الذي لا يعرفه هؤلاء العاشقون لتاريخ مصر القديم، وربما أيضا لا يعرفه الكثير من المتخصصين في التاريخ القديم أن لمانيتون كتابين جمعا بين دفتيهما تاريخ مصر بداية بعهد "آتوم" أول إنسان عاش على أرض مصر كما تخبرنا الدراسات الأثرية، أو "آدم" كما ورد في نصوص الديانات السماوية، وانتهاء بالعصر الذي عاش فيه مانيتون، وأن الكتاب الأول – ويسمى "الجبتانا" – قد جمع فيه مانيتون تاريخ مصر منذ عهد آتوم حتى توحيد الملك مينا للقطر المصري، بينما الكتاب الثاني – ويسمى "الجبتياكا" – قد حوى تاريخ الأسرات الحاكمة كما قدمها مانيتون بمنهجه التاريخي منذ الملك مينا حتى العصر الذي عاش فيه مانيتون.
والمطلع على جميع الكتابات التي تروي تاريخ مصر القديم يجدها جميعا تعتمد على الكتاب الثاني الجبتياكا اعتمادا كبيرا، بدءا بالتقسيم الذي وضعه مانيتون للحكام في ثلاثين أسرة حاكمة وانتهاء بالترتيب التاريخي للأحداث، ثم بعد ذلك يعتمدون على نقوش المعابد والاكتشافات الأثرية، والأدهى من ذلك أن نص الكتاب الثاني أو الجبتياكا قد فقد إلا من بعض شذرات من قصاصات البردي التي لا تستطيع بناء نص متكامل، والاعتماد – بعد كل هذه – على ما أورده المؤرخ يوسيفوس في تاريخه نقلا عن كتاب مانيتون الأصلي.
ولكن لأن المؤرخين يصبون جل اهتمامهم على تاريخ الأسرات الحاكمة والملوك لذلك فقد فقدت ذاكرة المؤرخين نص الجبتانا أو الكتاب الأول لمانيتون، والذي يؤرخ لأهم فترة في تاريخ مصر القديم.. فترة تكوين المجتمع الإنساني بمصر القديمة وتطورها، وانتهاء بفترة تكوين الأسرات الحاكمة، والتي ينطلق منها المؤرخون بادئين بالتأريخ للحياة المصرية القديمة.
صدر الكتاب الأول الجبتانا لأول مرة مطبوعا وباللغة العربية في يناير 2010م عن دار روافد للنشر والتوزيع بتحقيق الأستاذ عــلي عــلي الألفي الموجه العام السابق في التعليم برواية أستاذه الراهب أبيب النقادي الذي لازمه منذ أربعينيات القرن العشرين حتى وفاته في صيف 1959م، وقد قام الأستاذ علي الألفي بصياغة النص الذي تلقاه عن أستاذه الراهب أبيب باللغة العربية حين كان طالبا بكلية دار العلوم، وعرض النص العربي على أستاذه لمراجعته، وقام بعرضه مرة أخرى على راهب آخر هو الأنبا ثاؤوفيليس، كذلك قام الأستاذ الألفي بمقارنة النص بكتابات المؤرخين من أمثال هيرودوت وديودور الصقلي ويوسيفوس وآخرين حتى انتهى من كل أعمال التحقيق والصياغة والمراجعة يوم السادس عشر من نوفمبر سنة 1988م، وخرج الكتاب للنور في يناير 2010م في 381 صفحة.
كان الراهب أبيب النقادي يقيم في بيت قديم بجوار كنيسة الريدانية بمحافظة المنصورة، وكان ملازما لوالد المحقق عمدة الريدانية في ذلك الوقت، وكان رائدا لمجموعة من مثقفي المنصورة والذين من أشهرهم الشاعر علي محمود طه والأستاذ جودت والد الشاعر صالح جودت وغيرهم من المثقفين الذين نسوا أن يضعوا بصمتهم في التاريخ فنسيهم، وكان الراهب أبيب أكبر الجميع سنا؛ إذ إنه كان يروي أنه من مواليد أواخر ستينيات القرن التاسع عشر.
تبنى الراهب أبيب الأستاذ علي الألفي منذ أن كان تلميذا بالمدرسة الابتدائية، وفي المكتبة العامرة التي كان يمتلكها الراهب أبيب والتي كانت تضم على أرففها كتبا في شتى العلوم وبشتى الألسنة.. في هذه المكتبة تفتحت مدارك الصبي علي الألفي وعرف قيمة التاريخ، كما عرف معنى التسامح وسعة الأفق؛ حيث إن أرفف المكتبة قد ضمت عدة نسخ من القرآن الكريم بجانب الكتب المقدسة الأخرى، كما ضمت نسخة إنجليزية من كتاب "أصل الأنواع" لتشارلز داروين، وكتابا يرد عليه.. كذلك مسرحيات شكسبير، و"في الأدب الجاهلي" للدكتور طه حسين، و"الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، وكتب القانون التي صاغها السنهوري، وغيرها الكثير.
الأهم من ذلك أن الراهب أبيب كان يحفظ متن الجبتانا أو الكتاب الأول لمانيتون صما عن ظهر قلب حاملا له عبر خمسة وخمسين جيلا من الرواة – كما كان يقول – حتى يصل إلى عصر مانيتون نفسه، دون أن يفكر أحد عبر هذه السلسلة الطويلة والتي تمتد لقرون طويلة أن يقوم بتسجيل ما يحفظ.
بالطبع وبالتأكيد حدث تغيير في النص، وربما حدث نسيان لبعض الأحداث، أو ربما أيضا حدثت إضافات، ولكن النص في حد ذاته ثروة طائلة لابد أن يعرف قدرها مؤرخو تاريخ مصر القديمة الذين نناشدهم بالتحرك لقراءة النص شديد الأهمية، وتحليله تاريخيا وأنثروبولوجيا واجتماعيا، ومقارنة أحداثه بوقائع الاكتشافات الأثرية.
يروي الأستاذ الألفي عن أستاذه الراهب أبيب أن هناك تلالا من المخطوطات والبرديات شديدة الأهمية تمتلئ بها خزائن المكتبات والمتاحف في جميع أنحاء العالم، ولكنها تخضع للإغفال والتناسي وربما كسل المؤرخين والمترجمين، كما يروي عنه أيضا أنه كان دائم الإشادة بجيمس هنري بريستد؛ حيث كان يشاركه الاعتقاد بأن العبرانيين قد سلبوا الأفكار المصرية ونسبوها لزعمائهم، كما روى عنه اعتقاده بأن الجبتانا قد تعرضت للإغفال عمدا لإبعاد المتخصصين عن النص الذي اقتبست منه التوراة.
يروي مانيتون في صدر كتابه الجبتانا أنه جمع مادة هذا الكتاب من البرديات المحفوظة في المعابد المصرية وكذلك بعض الآثار المصرية القديمة التي كانت تصارع الاندثار في العصر البطلمي الذي كان يعيش فيه مانيتون.
وصل نص الجبتانا من مانيتون السمنودي الذي كان يعيش في بدايات العصر البطلمي إلى الأستاذ علي الألفي الذي يعيش في عصرنا، وعبر هذه الأجيال الكثيرة من الرواة في صورة كتاب أو متن كما يحلو لهم تسميته يتكون من ستة عشر سفرا، ويتكون كل سفر – في الأغلب – من خمسة إصحاحات، كلها تروي تاريخ مصر منذ عصر آتوم أبو الإنسان المصري القديم حتى قام مينا بتوحيد البلاد.. إلا أن مانيتون لم يتخلص من أسطورة تأليه الأوائل آتوم وأبنائه كما كان سائدا في العقيدة المصرية القديمة؛ إذ يقسم مانيتون شجرة الأنساب في ثلاث طبقات تبدأ بالآلهة آتوم وأبنائه، وتمر بمرحلة أبناء الآلهة الذين يمثلهم إيزيس وأوزوريس وحورس، وتنتهي بالطبقة الثالثة أبناء أبناء الآلهة والذين يبدأون بالملك مينا ويستمرون حتى العصر الفارسي فدخول الإسكندر الأكبر مصر.
يذكر مانيتون أن آتوم أول إنسان عاش على أرض مصر قد تزوج سيدة أطلق عليها "قمة الغرب" والتي أعقب منها "تشو" رب الفضاء، "وتفنوت" ربة الندى، والذين تزوجا لينجبا: "نوت" و"جب"، أيضا أنجب آتوم عددا من التوائم التي تزاوجت وتعاقبت لتشكل المجتمع المصري القديم.. منهم التوأم خنم وبتاح، والتوأم آمون وآتون، والتوأم جبتو وجبتانا.. تزوج خنم من جبتانا لينجبا جبتو مصرايم الذي أنجب جبتو الصغير، وهذا الأخير أنجب أوزوريس الذي تزوج إيزيس وأنجبا حورس.
والجديد الذي تذكره الجبتانا والذي يعيد بناء التاريخ المصري القديم والعقيدة المصرية أيضا أن "ست" رمز الشر وأخته "إيزيس" ليسا إخوة لأوزوريس الذي تزوج إيزيس، بل تذكر الجبتانا أن أوزوريس قد مات أبوه وهو صغير فقام "دان" زعيم منف ووالد ست وإيزيس بتربية أوزوريس، فكان "دان" بمثابة والده الذي رباه وليس والده الحقيقي، كذلك ست وإيزيس يكونان بمثابة أخوين له وليسا هما أخويه الحقيقيين.. إذن تصحح الجبتانا خطأ المؤرخين بأن أوزوريس تزوج إيزيس قريبته التي من نسل آتوم وليست أخته كما ظل مؤرخو مصر القديمة يرددون لسنوات طويلة.
كذلك تذكر الجبتانا في سردها لتاريخ ما قبل عصر الأسرات بمصر القديمة أن الملك مينا موحد البلاد ومؤسس الأسرة الأولى قد عاصر أوزوريس الذي تعتبره الجبتانا أول موحد للبلاد قبل مينا وكذلك يقر المؤرخون، ولكنهم كانوا لا يعرفون الفترة الزمنية بين الموحد الأول أوزوريس والموحد الثاني مينا تحديدا، وإن كانوا يعدونها بالقرون الطوال وليس بالسنوات القلائل.. جاءت الجبتانا بعد كل هذا لتؤكد قرب الفترة الزمنية بين الموحدَين: أوزوريس ومينا، بل معاصرتهما لبعضهما، بل وتؤكد على زواج الأمير مينا قبل أن يصبح ملكا بالأميرة نيت ابنة ست شقيق إيزيس زوجة أوزوريس.
كذلك تحل الجبتانا لغزا آخر حار فيه المؤرخون الأثريون زمنا طويلا، حيث اختلف المؤرخون وعلماء الآثار في شخصية مينا موحد القطرين.. هل هو نفسه نارمر؟ أم هما شخصيتان مستقلتان؟.. كذلك اختلفوا في وجود شخصية سابقة للملك مينا تسمى الملك العقرب وفقا لما عثر عليه من آثار تذكر اسم هذا الملك الذي اعتبره الكثير من المؤرخين والأثريين ملكا سابقا للملك مينا وأنه حكم مصر في أواخر عصر ما قبل الأسرات.. حلت الجبتانا هذا اللغز الأثري وأكدت على أن مينا ونارمر والعقرب، بل والملك عحا أيضا الذي اعتبره البعض ثاني ملوك الأسرة الأولى كلهم شخصية واحدة هي التي قامت بعملية التوحيد الثاني للبلاد بعد أوزوريس.
والجبتانا تأخذنا في رحلة ممتعة عبر أسفارها وإصحاحاتها لتحكي لنا نشأة المجتمع الإنساني بمصر وكيف تطور في بناءه الأسري، وكيف اكتشف المصري القديم الكثير من أمور المعيشة، وكيف كان يأكل المصريون القدماء الأسماك واللحوم نيئة حتى عرف شي المأكولات على النار، وكيف عرف صناعة الأسلحة والسفن وتنظيم الزراعة، وكيف اخترع أوزوريس ورق البردي وابتكر قواعد الخط والكتابة، وكيف نشأ نظام الدولة في بداياته على يد أوزوريس الموحد الاول للبلاد.. إنها مرجع لا يقل أهمية لعلماء الأنثروبولوجيا والاجتماع عن أي مرجع آخر.
أما إذا رجعنا إلى المراجع التي تحكي تاريخ عصر ما قبل الأسرات بمصر فنجد البناء التاريخي يعتمد على استنتاجات تخيلية تعتمد على بعض القطع الحجرية المتناثرة هنا وهناك والتي نقشت عليها صورة أو رمز، مع محاولة لبناء نسيج يربط بين تلك القطع المتناثرة بعضها ببعض من خلال بعض قواعد علوم الآثار والتاريخ والأنثروبولوجيا؛ فنجد بعض المراجع تسرد قوائم عجيبة لملوك ما قبل الأسرات، ولكي يحاولون حل إشكالية غموض تلك الفترة يبتكر بعض المستشرقين أسرة تخيلية يسمونها الأسرة "صفر"، ثم يتخيلون أسرة سابقة عليها ويسمونها الأسرة "صفرين" ويضعون قائمة من الملوك يسمونهم بالملك الصقر والملك الفيل والملك الثور والملك الأسد والملك التمساح بناء على بعض فتات الحصى والحجارة المكتشفة والتي تحتوي على نقش لصقر أو فيل أو ثور أو أسد أو تمساح، وما كل ذلك إلا محاولة لبناء تاريخ لعصر ما قبل الأسرات معتمدا على استنتاجات الخيال الواسع.. فهل سيحل نص الجبتانا الكثير من إشكالات المؤرخين؟ وهل سيآخي نص الجبتانا الاكتشافات الأثرية في عملية بناء المؤرخين لأحداث عصر ما قبل الأسرات بمصر؟ وهل سيقوم علماء التاريخ والآثار بوضع نص الجبتانا نفسه تحت المجهر للحكم عليه؟
ماجد صلاح الدين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج






















